غزة / الاستقلال:
في وقت تتواصل فيه اجتماعات القاهرة الهادفة إلى دفع مسار التهدئة ووقف الحرب على قطاع غزة، تتزايد المؤشرات على تحقيق تقدم في عدد من الملفات الخلافية التي ظلت تشكل عقبات أمام التوصل إلى اتفاق شامل.
ويبرز ملف سلاح المقاومة كأحد أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، خاصة مع تداول مقاربات جديدة تتحدث عن "حصر السلاح" بدلًا من "نزع السلاح"، في محاولة لتقريب وجهات النظر وتجاوز نقاط الخلاف الرئيسية.
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن المرونة التي أبدتها فصائل المقاومة خلال جولات التفاوض الأخيرة أسهمت في تقليص فجوة الخلاف بشأن عدد من القضايا العالقة، وأضعفت الذرائع التي كانت تُستخدم لتأخير تنفيذ التفاهمات أو تعطيل الانتقال إلى مراحل جديدة من الاتفاق.
وأوضح هؤلاء، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال" أمس الأحد، أن التساؤلات ما تزال قائمة بشأن مدى استعداد الاحتلال الإسرائيلي للتجاوب مع هذا التقدم، في ظل تقديرات تشير إلى أن حسابات سياسية داخلية قد تدفعه إلى البحث عن ذرائع جديدة تحول دون إنهاء الحرب أو استكمال مسار التفاهمات.
وكانت حركة حماس أعلنت في وقت سابق تسليم رد الفصائل الفلسطينية على "خارطة الطريق" التي تلقتها من الوسطاء، عقب مشاورات مكثفة جرت في القاهرة بمشاركة الفصائل ووسطاء من مصر وقطر وتركيا، وأسفرت عن بلورة موقف فلسطيني موحد.
وأكدت الحركة أن الفصائل تعاملت بإيجابية مع المقترح، مشددة على ضرورة التزام الاحتلال بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، بما يشمل وقف العمليات العسكرية، وتطبيق البروتوكول الإنساني، والانسحاب الكامل من قطاع غزة، والشروع في إعادة الإعمار.
اختراق تفاوضي
ويرى الكاتب والمحلل السياسي أ. عدنان الأفندي أن المرونة التي أبدتها فصائل المقاومة الفلسطينية خلال اجتماعات القاهرة أسهمت في تحقيق تقدم ملموس في عدد من الملفات العالقة، وأتاحت تجاوز جزء من العقبات التي كانت تعترض مسار المفاوضات، في إطار السعي إلى تجنيب سكان قطاع غزة استمرار العدوان الإسرائيلي وما يرافقه من معاناة إنسانية متفاقمة.
وقال الأفندي، في حديثه مع "الاستقلال"، إن المواقف الإيجابية التي قدمتها الفصائل في القضايا الخلافية المطروحة عكست رغبة في إنجاح الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق يفضي إلى وقف الحرب والتخفيف من الأوضاع الصعبة التي يعيشها سكان القطاع.
وأشار إلى أن أحد أبرز الملفات التي شهدت تقدمًا خلال النقاشات هو ملف سلاح المقاومة، حيث برزت مقاربة جديدة تقوم على مفهوم "حصر السلاح" بدلًا من "نزع السلاح"، وهو ما اعتبره تطورًا مهمًا في مسار التفاوض، كونه يوفر مساحة لمعالجة القضية بعيدًا عن الطروحات التي شكلت عقبة رئيسية أمام التقدم.
وأوضح الأفندي أن الفرق بين المفهومين يتمثل في أن "نزع السلاح" يعني تجريد المقاومة من قدراتها بشكل كامل، بينما يقوم "حصر السلاح" على تنظيم هذا الملف ضمن إطار وطني متفق عليه، بما يتيح معالجة الهواجس المطروحة دون المساس بجوهر القضية أو الحقوق الفلسطينية.
وبحسب رؤية الأفندي، فإن الفصائل نجحت إلى حد كبير في تقليص الذرائع التي كانت تُستخدم لتأخير تنفيذ التفاهمات أو تعطيل الانتقال إلى المراحل التالية من الاتفاق، من خلال إبداء مرونة واضحة في التعامل مع الملفات المطروحة وتقديم مقاربات جديدة تدفع العملية التفاوضية إلى الأمام.
ورغم هذا التقدم، يرى الأفندي أن الاحتلال الإسرائيلي قد يلجأ خلال المرحلة المقبلة إلى اختلاق ذرائع جديدة أو طرح شروط إضافية، ليس بسبب استمرار الخلافات الجوهرية فحسب، وإنما نتيجة حسابات سياسية داخلية تدفعه إلى عدم الرغبة في إنهاء الحرب بشكل كامل في الوقت الراهن.
وأضاف أن المؤشرات الحالية توحي بوجود تقدم في عدد من القضايا التي كانت محل خلاف، إلا أن نجاح الاتفاق سيظل مرتبطًا بمدى استعداد الاحتلال للتعامل بجدية مع نتائج المفاوضات، بعيدًا عن محاولات كسب الوقت أو البحث عن مبررات جديدة لإطالة أمد الحرب.
سد الذرائع
بدوره، اتفق الكاتب والمحلل السياسي أ. فايز السويطي مع ما ذهب إليه سلفه، مشيرًا إلى أن المواقف التي قدمتها الفصائل الفلسطينية تعكس حرصًا واضحًا على إنجاح جهود التهدئة. وأكد أن الفصائل أبدت مرونة في عدد من الملفات الخلافية، بهدف تجنيب الغزيين المزيد من الويلات والدمار، وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة والعلاج.
وأوضح السويطي لـ"الاستقلال" أن الفصائل تسعى كذلك إلى تعزيز الأمن والسلم الأهلي في القطاع وقطع الطريق أمام مليشيات الاحتلال التي تحاول العبث بالساحة الداخلية، مشيرًا إلى أن الاجتماعات الجارية تأتي في إطار البحث عن آليات تحقق هذه الأهداف وتدعم استقرار الأوضاع.
وفيما يتعلق بملف سلاح المقاومة، أكد السويطي أن الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة ما زالا يتمسكان بمطلب نزع سلاح المقاومة، معتبرًا أن تنفيذ هذا الطرح يعني "حفر قبر المقاومة والقضاء عليها"، فضلًا عن أنه قد يقود إلى نشر الفوضى داخل القطاع، وهو ما تسعى الفصائل إلى تجنبه.
وأشار إلى أن الطرح الجديد القائم على "حصر السلاح" يختلف جوهريًا عن مفهوم "نزع السلاح"، إذ يقوم على الاحتفاظ بالسلاح لدى جهة وطنية فلسطينية، وربما بإشراف عربي يحظى بقبول الأطراف المعنية، على أن يرتبط ذلك بانسحاب الاحتلال من القطاع ورفع الحصار والشروع في عملية إعادة الإعمار.
وأضاف السويطي أن هذا المقترح يمثل محاولة لتجاوز إحدى أبرز العقبات التي واجهت المفاوضات خلال الفترات الماضية، موضحًا أن الفصائل نجحت من خلال هذه المقاربة في سد الذرائع التي كانت تُستخدم لتأخير تنفيذ الاتفاق أو تعطيل الانتقال إلى مراحله اللاحقة، ما يجعل المسؤولية الآن على الطرف الآخر لإثبات جديته في إنجاز التفاهمات.
ورأى السويطي أن التركيز الإسرائيلي والأمريكي على قضية السلاح لم يعد هدفًا بحد ذاته، بل تحول إلى وسيلة لتحقيق أهداف أوسع تتعلق بالسيطرة الكاملة على قطاع غزة واستغلال موارده الاقتصادية، بما في ذلك النفط والغاز، إضافة إلى إعادة الإعمار عبر شركات أجنبية تحقق أرباحًا ضخمة.
وحذر من أن بعض المخططات قد تتضمن إعادة مشاريع استيطانية في قطاع غزة، وربطها بمشاريع استراتيجية مثل شق ما يُعرف بـ"قناة بن غوريون" كبديل لقناة السويس، معتبرًا أن هذه المعطيات تستوجب انتباهًا مصريًا خاصًا لما لها من انعكاسات محتملة على الأمن القومي المصري.
ونبّه المحلل السياسي إلى أن نجاح أي اتفاق مستقبلي يتطلب معالجة القضايا السياسية والإنسانية بشكل متوازن، بما يضمن وقف معاناة سكان القطاع وتحقيق الاستقرار، بعيدًا عن محاولات فرض شروط تؤدي إلى تعقيد المشهد أو إطالة أمد الأزمة.


التعليقات : 0